القبّالة هي مذهب روحي باطني نشأ داخل التراث اليهودي، يقوم على تفسير خفيّ للنصوص المقدسة والسعي إلى فهم البنية السرّية للكون، والإله، والروح، عبر الرموز والأعداد والحروف. وكلمة Kabbalah تعني “التلقّي” أو “التقاليد المنقولة”، في إشارة إلى أن هذا العلم لا يُؤخذ من القراءة الظاهرة فقط، بل يُسلَّم سرًّا من المعلّم إلى التلميذ المختار.
نشأت القبالة بصورتها المنظمة في العصور الوسطى، خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأشهر نصوصها هو كتاب الزوهَر، الذي يُنسب تقليديًا إلى الحاخام شمعون بن يوحاي، مع أن الباحثين يرجّحون تدوينه لاحقًا. وترى القبالة أن النصوص الدينية تحتوي على طبقات من المعاني الباطنية لا يدركها إلا من امتلك مفاتيح التأويل الخاصة.
في العقيدة القبّالية، يُفهم الإله من خلال منظومة رمزية تُعرف باسم شجرة الحياة، التي تتكوّن من عشر “سفيروت” تمثّل تجليات الصفات الإلهية في الوجود، مثل الحكمة، الفهم، الرحمة، القوة، الجمال، الملك، وغيرها. ويُنظر إلى الخلق على أنه تدرّج من النور الإلهي الأعلى إلى العالم المادي الأدنى، نتيجة انكسارات كونية أدّت إلى اختلاط النور بالظلمة.
ترى القبالة أن الإنسان يحمل في روحه شرارة إلهية سقطت في العالم المادي، وأن مهمته ليست العبادة الظاهرة فقط، بل إصلاح هذا الخلل الكوني عبر العمل الأخلاقي، والتأمل، وفهم الأسرار. ويُسمّى هذا المفهوم “إصلاح العالم” (تيكون)، حيث يصبح السلوك الإنساني جزءًا من ترميم البناء الكوني المكسور.
في الممارسات الروحية، تعتمد القبالة على تأمل الحروف العبرية، القيم العددية (الجمّطرية)، الأسماء الإلهية، وتركيب الطلاسم الرمزية. ويُعتقد أن للحروف قوى كونية، وأن نطقها أو ترتيبها بطرق معيّنة يفتح أبوابًا إدراكية أو طاقية. ولهذا ارتبطت القبالة في الوعي الشعبي بالسحر، رغم أن أتباعها يرونها علمًا روحيًا تأمليًا لا ممارسة سحرية مباشرة.
في التفسير الديني الإسلامي والمسيحي، تُعد القبالة مذهبًا باطنيًا منحرفًا عن الوحي الصحيح، لأنها تقوم على تأويلات سرّية مغلقة، وربط الحروف والأرقام بالقوى الغيبية، وهو ما يضعها ضمن نطاق الغيبيّات المحرّمة أو المتنازع عليها عقديًا.
في التفسير النفسي والفلسفي، تُفهم القبالة بوصفها محاولة عقلية رمزية لفهم الشر، النقص، والمعنى العميق للوجود، عبر إسقاطات عددية وهندسية على الكون، تعكس حاجة الإنسان إلى نظام يفسّر الفوضى والمعاناة.
في أدب الرعب والماورائيات، تظهر القبالة بوصفها علم المفاتيح المحرّمة، حيث تتحول الأسماء والأرقام إلى شفرات تفتح بوابات خفية، وتُستدعى عبرها كيانات أو تُكسر حُجب بين العوالم. وغالبًا ما يكون ثمن هذا العلم هو الجنون، العزلة، أو الانفصال عن الواقع.
الرمزية:
ترمز القبالة إلى الهوس الإنساني بفكّ شيفرة الكون، وإلى الإيمان بأن لكل شيء معنى خفيًّا خلف ظاهره، وأن المعرفة إن لم تُضبط بالحكمة قد تتحوّل من نورٍ إلى متاهة.